ابن كثير

105

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

اليهود عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة كلها مكية . وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية ، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك ، أو نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه ، وهي هذه الآية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ . ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا قتيبة ، حدثنا يحيى بن زكريا عن داود عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل ، فقالوا : سلوه عن الروح ، فسألوه ، فنزلت وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالوا : أوتينا علما كثيرا ، أوتينا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ، قال : وأنزل اللّه قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ [ الكهف : 109 ] الآية . وقد روى ابن جرير « 2 » عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى ، عن داود عن عكرمة قال : سأل أهل الكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الروح ، فأنزل اللّه وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية ، فقالوا : تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا ، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً قال : فنزلت وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [ لقمان : 27 ] الآية ، قال ما أوتيتم من علم فنجاكم اللّه به من النار ، فهو كثير طيب ، وهو في علم اللّه قليل . وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار قال : نزلت بمكة وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فلما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة أتاه أحبار يهود وقالوا : يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أفعنيتنا أم عنيت قومك ، فقال « كلا قد عنيت » فقالوا : إنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هي في علم اللّه قليل وقد آتاكم اللّه ما إن عملتم به انتفعتم » وأنزل اللّه وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 3 » [ لقمان : 27 ] . وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال [ أحدها ] أن المراد أرواح بني آدم . وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية ، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أخبرنا عن الروح وكيف تعذب الروح التي في الجسد ، وإنما الروح من اللّه ولم يكن نزل عليه فيه شيء ، فلم يحر إليهم شيئا ، فأتاه جبريل فقال له : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ

--> ( 1 ) المسند 1 / 255 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 141 ، 142 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 8 / 143 .